ژان شاردن ( تعريب : صلاح صلاح )

26

رحلات في فارس

و يستغرب من ذهب إلى فارس بأفكار مسبقة حصل عليها من المؤلفين القدماء ، خاصة آريان Arian و كوينتوس كيرسيوس Quintus Cursius ، إذ عند قراءة وصفهم للترف و التخنث و الكياسة و كنوز الفرس ، يخيل إليه أنها بلد مصنوع من الذهب و تتوفر فيه كل وسائل الراحة و الترف التي يمكن الحصول عليها بالقليل أو المجان . غير أن من يأتي إلى هناك يجدها غير ذلك . مع ذلك ليس هناك مجال للشك أن فارس من أغنى البلاد و أكثرها ترفا ، كما ذكر هؤلاء المؤلفين ، لأن الكتاب المقدس أكد على ذلك . بأي وسيلة يمكن التوفيق بين هذه التناقضات الجلية الظاهرة ؟ سأقوم بذلك دون صعوبة برواية شيئين وجدت أنهما السبب في هذا التبدل الغريب . الأول ينبع من اختلاف دياناتهم ، و الثاني من اختلاف الحكومة . كان الفرس القدماء من عبدة النار و ألزمتهم ديانتهم بالعمل في فلاحة الأرض بصرامة لأن مبدأهم يعتبر زراعة شجرة وري حقل و تحويل بقعة إلى أرض مثمرة فعل تقوى و ثواب . في حين تنحو الفلسفة الإسلامية إلى الاستمتاع بخيرات هذه الدنيا طالما وجد الإنسان فيها دون اعتبارها أكثر من ممر عبور سريع . كانت حكومة هؤلاء القدماء أيضا أكثر عدلا و إنصافا . كانت أملاك الناس و أراضيهم و حاجاتهم مقدسة محصنة لا تنتهك . لكن الحكومة الآن استبدادية و اعتباطية مطلقة . ما دعاني للاعتقاد أن كل ما قرأته عن فارس في الأزمان القديمة كان صحيحا و أنها كانت بلاد لا تقبل المقارنة و أكثر خصبا و سكانا من الوقت الحاضر ، مراجعة ما آلت إليه الأمور منذ مئة و عشرين سنة ، من بداية عهد عباس العظيم ، الذي كان أميرا عادلا منصفا ، و كل مساعيه ترمي لتحقيق غاية واحدة ، هي سعادة شعبه و توفير الرخاء في مملكته . وجد إمبراطوريته ممزقة إربا و مغتصبة ، و الجزء الأعظم منها فقيرا و مسلوبا . لكن يصعب الاعتقاد ما كان لحكومته الجيدة من تأثير في كل المناطق الخاضعة له . أضرب للقارىء مثالا واحدا فقط . جلب للعاصمة جماعة من الأرمن الذين كانوا شعبا عاملا نشيطا و لم يكن في حوزتهم شيء يذكر عندما قدموا إلى هناك ، لكن في غضون ثلاثين سنة أصبحوا